هل أنا أستحق أن يتغيّر أحد من أجلي؟
- Mazin Noel
- 3 days ago
- 3 min read

هناك جرح لا يصرخ كثيرًا… لكنه يربّي الإنسان من الداخل على الكذب.
جرح يجعل الابنة لا تقول: “أبي لا يحبني”، بل تقول شيئًا أخطر:“أنا لا أستحق أن يحبني لدرجة أن يغيّر طريقته معي.”
وهنا لا تكون المشكلة فقط في الصوت العالي…ولا في العصبية…ولا في الكلمات التي خرجت مثل حجارة ساخنة من فم الأب.
المشكلة الأعمق أن الطفلة تبدأ بتفسير الألم ضد نفسها فبدلا من أن تقول: “هذا الأسلوب يؤذيني”، تبدأ تقول:“ربما أنا لست ثمينة بما يكفي ليهدأ من أجلي.”وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها البيت من مكان أمان… إلى محكمة صامتة، والقاضي فيها ليس الأب ولا الأم… بل قلب البنت المجروح.
أحيانًا نحن لا نطلب من أهلنا المستحيل.
لا نطلب قصرًا، ولا ذهبًا، ولا حياة بلا مشاكل.
نطلب فقط أن نشعر بأن محبتهم لنا أقوى من عصبيتهم.
أن يكون حب الأب لابنته أقوى من صوته العالي.
أن تكون قيمة البنت في عينيه أعلى من مزاجه، وتعبه، وضغطه، وطريقته القديمة في الكلام.
لأن المحبة التي لا تغيّر شيئًا فينا… قد تكون شعورًا، لكنها لم تصبح بعد قرارًا.
وهنا السؤال المؤلم: كم فتاة كبرت وهي تظن أن الحب الحقيقي لا يغيّر صاحبه؟
كم شاب صار قاسيًا لأنه لم يرَ أحدًا يلين لأجله؟
كم إنسان صار يرضى بالقليل جدًا من العلاقات، لأنه تربّى أن مجرد بقائه محبوبًا هو معجزة؟فيقول داخله:“لا تطلبي كثيرًا… لا تتوقعي أن يتغيّروا… أنت لست مهمة إلى هذه الدرجة.”
لكن الإنجيل يكسر هذه الكذبة من جذورها.لأن المسيح لم يحبنا بالكلام فقط.لم يقل من السماء: “أنا أحبكم” ثم بقي بعيدًا.المحبة في المسيح نزلت، اقتربت، تجسدت، تألمت، وحملت الصليب.
“وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا.”رومية ٥: ٨
هذا يعني أن قيمتك لا تُقاس بمن تغيّر من أجلك ومن لم يتغيّر.
قيمتك لا تبدأ من هدوء أبيك، ولا من احتواء أمك، ولا من اعتذار عائلتك.
قيمتك بدأت من صليب قال لك:أنتِ تستحقين محبة تبذل نفسها، لا محبة تجرحك ثم تطلب منك أن تفهمي ظروفها فقط.
لكن هذا لا يعني أن نكره أهلنا.ولا يعني أن نحاكمهم كأننا بلا ضعف.
قد يكون الأب نفسه ابنًا قديمًا لجراح لم تُشفَ.
قد يكون صوته العالي هو اللغة الوحيدة التي تعلّمها في بيت لم يعرف الحنان.
قد تكون عصبيته ليست عدم محبة، بل عجزًا عن التعبير عن المحبة بطريقة صحيحة.
ولكن… الفهم لا يلغي الألم. والرحمة لا تعني أن نكذب على الجرح. والإيمان لا يطلب منك أن تقولي عن الصراخ: “بركة”.
الحقيقة الأعمق هي هذه:
أنت لا تحتاجين أن يهدأ والدك كي تصبحي ثمينة.
أنت ثمينة، ولذلك من حقك أن تتألمي عندما لا يعاملك الآخرون بما يليق بقيمتك.
الشفاء يبدأ حين تتوقفين عن ترجمة ضعف الآخرين إلى نقص فيك.
ليس كل من لم يتغير من أجلك يعني أنك لا تستحقين.
أحيانًا يعني فقط أنه لم يتعلّم بعد كيف يحب بطريقة ناضجة.
وهنا يدخل المسيح لا كفكرة دينية جميلة، بل كأب حقيقي للنفس.
يدخل إلى تلك الغرفة الداخلية التي سمعتِ فيها صراخًا كثيرًا،
ويقول لك بهدوء لا يشبه أي صوت عرفته:“أنتِ لستِ كثيرة الطلب. أنتِ فقط جُرحتِ في مكان كان يجب أن تُحبي فيه.”ثم يبدأ يعلّمك ألا تستجدي قيمتك من تغيّر الآخرين،بل أن تستمديها من محبته الثابتة.“إِنْ نَسِيَتِ الأُمُّ رَضِيعَهَا… فَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ.”إشعياء ٤٩: ١٥
ربما لن يتغيّر الجميع من أجلك.
ربما لن يعتذر كل من كسر شيئًا فيك.
ربما لن تسمعي الجملة التي انتظرتها سنوات: “سامحيني، كان يجب أن أحبك بطريقة أهدأ.”لكن لا تجعلي غياب هذه الجملة قبرًا لهويتك.
أنت لا تُشفين عندما يتغيّر الماضي.أنت تُشفين عندما لا يعود الماضي هو الصوت الوحيد الذي يشرح لك من أنتِ.
المحبة الحقيقية لا تقول: “تحمّليني كما أنا”
المحبة الحقيقية تقول:“لأنك ثمينة عندي، سأحارب الجزء فيَّ الذي يؤذيك.”
وهذه هي صورة المسيح في الإنسان:أن لا أبقى كما أنا بحجة أن الآخرين يجب أن يفهموني، بل أن أتغيّر لأن المحبة لا تحتمل أن تظل سببًا في كسر من تحب.
قد لا يستطيع أهلك أن يعطوك كل ما احتجته نفسك.
لكن المسيح لا يأتي فقط ليعوضك…
بل ليعيد تعريفك.
كي لا تقفي أمام كل علاقة قادمة وتسألي بخوف:
“هل أنا أستحق أن يتغيّر أحد من أجلي؟”
بل تقولي بهدوء المؤمن المجروح الذي بدأ يشفى:
أنا لا أطلب أن يعبدني أحد… لكنني لن أقبل بعد اليوم محبة لا تشبه شيئًا من المسيح.
سلام ومحبة
د.مازن

Comments